السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
504
مفاتيح الأصول
أكثر الأصوليين الأوّل كما أشار إليه الشهيد الثاني ولهم ما أشار من قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره والعمومات المانعة عن العمل بغير العلم ويظهر من جماعة من الأصحاب منهم صاحب خبرة وجدي ووالدي العلَّامة وغيرهم الثّاني بل ربما يمكن دعوى أنه المشهور بين الفقهاء من أصحابنا ولهم أصالة حجيّة كلّ ظن وقوله تعالى إن جاءكم إلى آخره بناء على كون التّبيّن أعم من العلم أو الظن وحصوله من اعتماد المعظم على الرواية وفيه نظر وهذا القول هو الأقرب عندي وإذا تضمّنت الرّواية مطلبين وعبارتين واختص تمسّك الخصم بأحدهما فلم يكن ذلك دليلا على حجّية الآخر اللَّهم إلا أن يحصل الظَّنّ بصدق الرواية بتمامها فيجوز حينئذ الاعتماد عليهما معا على الأقرب التّاسع إذا أفتى المعظم بحكم ووجد رواية ضعيفة غير صالحة بنفسها للحجّية توافق فتواهم فهل يلزم موافقتهم حينئذ على القول بعدم حجيّة الشّهرة أو لا فيه إشكال من أن كلا منهما منفردا ليس بحجّة فكذلك في حال الاجتماع ومن أن ما يحصل من المجموع المركب من الظن لا يحصل في حال الانفراد وقد صار والدي العلامة إلى الأوّل محتجا بأن أصالة حجية الظنّ اقتضت حجية الظنّ المستفاد من الشّهرة مطلقا ولو لم يوافقها رواية ضعيفة لكن خرج هذه الصّورة عن الأصل بشهرة القول بعدم حجيّة الشهرة وهي غير متحققة في محل البحث فيبقى مندرجا تحت الأصل وما صار إليه هو الأقرب سواء ظهر عدم اطلاع المعظم على الرّواية المذكورة أو لا العاشر قال في الذكرى ألحق بعضهم المشهور بالمجمع عليه فإن أراد في الإجماع فهو ممنوع وإن أراد في الحجّية فقريب سواء كان اشتهارا في الرّواية بأن يكثر تدوينها أو ورودها بلفظ واحدا وألفاظ متغايرة أو الفتوى فلو تعارضتا فالتّرجيح للفتوى إذا علم اطلاعهم على الرّواية لأنّ عدولهم عنها ليس إلا لوجود أقوى وكذا لو عارض الشهرة المستندة إلى حديث ضعيف حديث قوي فالظاهر ترجيح الشهرة لأن نسبة القول إلى الإمام عليه السلام قد تعلم وإن ضعف طريقه كما يعلم مذاهب الفرق الإسلامية بإخبار أهلها وإن لم يبلغوا التواتر ومن ثم قبل الشيخ أبو جعفر رواية الموثقين مع فساد مذهبهم انتهى الحادي عشر اعلم أنه ذهب والدي العلَّامة دام ظلَّه إلى أن الخبر المرسل إذا وافق فتوى أكثر الفقهاء كان حجّة لأن ضعفه ينجبر بالشهرة ومنع عن حجية الخبر المقطوع وهو المتضمن لنقل قول الصّحابي والتابعي أو فعلهما وإن وافق فتوى الأكثر وجعل وجه الفرق أن المرسل من حيث تضمّنه لنقل قول المعصوم عليه السلام الَّذي هو حجّة يصلح لأن ينجبر ضعفه الحاصل بالإرسال بالشهرة ولا كذلك المقطوع فإن غايته نقل قول الصحابي والتّابعي وهو ليس بحجّة بل هو كأحد أقوال العلماء وفتاويهم فلا يمكن دعوى الجبر بها كما لا يمكن دعوى جبر فتوى بعض العلماء بالموافقة لفتوى الباقين وبالجملة إن الفرق بين الجابر والمجبور مما لا بد منه وهو حاصل في الخبر المرسل الموافق للمشهور لأن المجبور هو الإسناد إلى المعصوم عليه السلام والجابر هو الفتوى بما أسند إليه وهذا ليس بحاصل في المقطوع لأن الجابر والمجبور كلاهما من جنس الفتوى فيدلّ على تأثير هذا الفرق مصير بعض أصحابنا إلى حجيّة المرسل مطلقا وعدم مصير أحد منهم إلى حجيّة المقطوع وفيه نظر بل الظاهر عدم الفرق وذلك لأنّ الشهرة إن كانت قرينة لصدق الصّدور والنّسبة إلى المعصوم في المرسل فهي قرينة لكون ما قاله الصّحابي عن المعصوم في المقطوع وإن كانت هي الحجّة ولكن اعتبر ضمّ المرسل إليها لئلا يشملها ما دلّ على عدم حجيّة الشّهرة وهو شهرة عدم حجيّتها لاختصاصها بالشّهرة المجرّدة فنقول هذا بعينه جار فيما إذا انضم إليها الخبر المقطوع في نفسه يفيد الظنّ بقول المعصوم عليه السلام إذ الظاهر من حال الصحابي أنه لا يقول في الأحكام الشّرعية إلا ما سمعه من المعصوم عليه السلام ألا ترى أن صاحب السّلطان إذا قال شيئا يتعلَّق بأمر السّلطنة يحصل منه الظن بكونه من السّلطان وليس ذلك إلا الظهور الصّحة في أن كل ما يقوله من صاحبه المتبع فإذا انضم إلى مثل هذه الشهرة الَّتي تفيد بنفسها الظَّنّ يتقوى الظن فيجب العمل به من غير معارض أقوى لأن الأصل في كلّ ظن قوي الحجّية ووجود المعارض الأقوى للجزءين منفردا لا يصح معارضته للمجموع المركب كما لا يخفى ولا كذلك الخبر المرسل المنضم إلى الشهرة لأنه مع قطع النظر لا يفيد الظن أصلا وأن المفيد له نفس الشهرة فيكون أضعف من الأول ثم إن دعوى كون ما يقوله الصحابي من غير استناد إلى المعصوم كفتوى العلماء الباحثين في الفقه لا يخلو عن إشكال بل الفرق بينهما ظاهر ويشهد به نقل المحدثين الخبر المقطوع دون فتوى العلماء وكذا الاعتماد عليه في بعض المسائل وعدم الاعتماد على الفتوى في شيء منها فتأمل الثّاني عشر قال السّيّد الأستاذ رحمه الله الشّهرة ما في الرّواية أو في الفتوى والتّأييد يحصل بكلّ منها وربما خصّه بعض المتأخرين بالأولى مدعيا ظهوره من قوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين أصحابك وهو ضعيف جدّا فإن قوله عليه السلام ما اشتهر أعم مما اشتهر نقله أو اشتهر حكمه ولأن المدار في الترجيح على غلبة الظنّ في أحد الطَّرفين ولا ريب في حصولها في الحديث المفتى به ولأن الأمر بالأخذ بما هو مشهور ليس تعبّدا محضا بل لدلالة الشهرة على القبول فإذا تحقق القبول كان أحق بالاعتبار ولو تعارضت الشهرتان بأن كان أحد الحديثين مشهورا في النقل دون الفتوى والآخر بالعكس فالظاهر ترجيح الثّانية لأنّ الظنّ فيها أقوى كما قلنا بل رجح في الذكرى الشهرة باعتبار الفتوى وإن خلت عن النّص ظاهرا إذا علم اطلاعهم على المعارض لأن عدولهم عنه ليس إلا لاستنادهم إلى ما هو أقوى منه قال وكذا لو عارضت الشهرة المستندة إلى حديث ضعيف حديث قوي لأن نسبة القول إلى الإمام عليه السلام قد تعلم وإن ضعف طريقه كما تعلم مذاهب الفرق بإخبار أهلها وإن لم يبلغ التواتر ومن ثمّ قبل الشيخ أبو جعفر رواية الموثقين مع فساد مذهبهم قلت ومن هنا يعلم أن ما دلّ على خلاف المشهور كلّ ما صحّ سنده وتعددت طرقه واتضحت دلالته اشتدّ ضعفه إلا إذا علم عدم ظفرهم به أو غفلتهم عن دلالته أو عدولهم عنه بوجه ضعيف ولو شك في الاطلاع فوجهان من تعارض الأصل والظاهر وللنظر في خصوصيات المواضع مجال واسع فلا تغفل